عماد الدين خليل
288
دراسة في السيرة
التي يحتاجونها في القتال حتى يستطيعوا الصمود في حصارهم أطول مدة ممكنة . ولكن إسراع الرسول لتطويقهم حال بين اليهود وبين كل ذلك ، إذ لم يكن اليهود يعلمون بالموعد الأكيد لانسحاب الأحزاب ليسبقوا النظر في إعداد كافة متطلبات القتال المتوقع ضد المسلمين ، بل إن حركة المسلمين السريعة لم تترك لهم الوقت الكافي لتنظيم خطة دفاعية عن حصونهم ، كما لم تترك لهم الوقت الكافي لتنظيم أي خطة على الإطلاق . . كما أن حركة المسلمين مبكرا شلّت معنويات اليهود وقضت على روح المقاومة فيهم « 1 » . ومما يزيد في قيمة حرص المسلمين على المحافظة على الوقت أن ظروفهم لم تكن حسنة بعد انسحاب الأحزاب ، لقد كانوا منهوكي القوى لسهرهم على حراسة مواضعهم مدة حوالي شهر في موقف عصيب يحطم أعصاب الشجعان ، وكان الطقس باردا وقد تحملوا البرد في العراء وقتا طويلا أثناء حصارهم فلما انسحبت الأحزاب آن لهم أن ينالوا بعض الدفء في بيوتهم القريبة . وكانت قضاياهم الإدارية بشكل لا يحسدون عليه ، إذ ما هي إمكانيات إعاشتهم مثلا وهي أهم ما يديم قوة المقاتلين ؟ إن عدم اكتراث المسلمين بكل هذه المشاكل لغرض الإسراع بتطويق حصون بني قريظة يدعو إلى الإعجاب والتقدير « 2 » . استمر الحصار خمسا وعشرين ليلة وبدأ الرعب يتسرب إلى قلوب اليهود ، وأدركوا ألا قدرة لهم على الصمود حتى النهاية . ولما أيقن زعيمهم كعب بن أسد أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى ينزل بهم عقابه ، عرض على قومه حلولا عدة علها تخلصهم من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه فقال : يا معشر يهود ، قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم . قالوا : وما هي ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه ، فو اللّه لقد تبين لكم أنه نبي مرسل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ، ولا نستبدل به غيره . قال : إذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف ، لم نترك وراءنا ثقلا ، حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا
--> ( 1 ) شيت خطاب : الرسول القائد ص 167 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 168 .